السيد محمد تقي المدرسي

27

من هدى القرآن

الإطار العام : لكي يصلح الإنسان نظرته إلى نفسه لكي تصلح نظرة الإنسان إلى نفسه جاءت رسالات الله . وقبل أن يكون الإنسان غنياً أو فقيراً ، شريفاً في النسب أووضيعاً ، عربياً في اللغة والعنصر أو أعجمياً ، أبيضَ أو أحمر أو أسود . . قبل كل ذلك فهو إنسان ، ومن نظر إليه من خلال ملابساته المادية فقد كفر بلبه وجوهرته السامية . وهنا تتميز الجاهلية عن الإسلام ، دين الفطرة السليمة والعقل المستنير . فالجاهلية تقيِّم الناس على أساس الملابسات المادية ، والدين الحق يقيِّمهم على أساس درجات إيمانهم مما يتصل بكل واحد منهم كإنسان ، أوليس أصل الإنسان عقله ؟ . وحامل رسالات الله لا يجوز أن يتنازل عن هذه الميزة الهامة ، فإذا به يميز الناس على أسس مادية ، فما قيمة الرسالة إذن ، وكيف يمكنه إصلاحهم يومئذٍ وتغيير مفاهيمهم الخاطئة وهو الذي يخضع لها ! . ويبدو أن هذه السورة الكريمة تبصِّرنا بهذه الحقيقة ، فإذا بفاتحتها عتاب شديد ، لمن عبس وبسر في وجه الأعمى وتولّى ، بينما تصدّى لمن استغنى ( الآيات : 1 - 10 ) . ثم يبين السياق سمو قيمة الإيمان ، وقيمة القرآن ، ويهدينا إلى صفات حَمَلتِهِ بحق ، وهم الكرام البررة الذين ينبغي أن يصبحوا محور التجمع الإيماني ؛ لا أصحاب الغنى والجاه والشرف الزائف ( الآيات : 11 - 16 ) . ثم ينعطف السياق نحو التذكرة بالإيمان عبر تعداد نعم الله على الإنسان وتقلباته منذ أن كان نطفة إلى أن أصبح بشراًسوياً ، وتيسر لسبل الخير والسلام وحتى يموت فيدفن ( الآيات : 17 - 23 ) .